الشنقيطي

203

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وعليه فهذا النذر الذي نذرته ألّا تكلم اليوم إنسيا كان جائزا في شريعتهم . أمّا في الشريعة التي جاءنا بها نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم فلا يجوز ذلك النذر ولا يجب الوفاء به . قال البخاري في صحيحه : حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا وهيب ، حدثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال : بينا النبي يخطب إذا هو برجل قائم فسأل عنه فقالوا : أبو إسرائيل نذر أن يقوم لا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . « مره فليتكلم ، وليستظل وليقعد وليتم صومه » قال عبد الوهاب : حدثنا أيوب عن عكرمة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « 1 » ا ه . وقال ابن حجر « في الفتح » في الكلام على هذا الحديث وفي حديثه أنّ السكوت عن المباح ليس من طاعة اللّه : وقد أخرج أبو داود من حديث علي « ولا صمت يوم إلى الليل » « 2 » وتقدم في السيرة النبوية قول أبي بكر الصديق إن هذا « يعني الصمت » من فعل الجاهلية ، وفيه : أن كل شيء يتأذى به الإنسان ولو مآلا مما لم يرد بمشروعيّته كتاب أو سنة ، كالمشي حافيا ، والجلوس في الشمس ليس هو من طاعة اللّه ، فلا ينعقد به النذر ، فإنه صلّى اللّه عليه وسلّم أمر أبا إسرائيل بإتمام الصوم دون غيره . وهو محمول على أنه علم أنه لا يشق عليه . وأمره أن يقعد ويتكلم ويستظل . قال القرطبي : في قصة أبي إسرائيل هذه أوضح الحجج للجمهور في عدم وجوب الكفارة على من نذر معصية ، أو ما لا طاعة فيه . قال مالك لما ذكره : ولم أسمع أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أمره بالكفارة . انتهى كلام صاحب ( فتح الباري ) « 3 » . وقد قال الزمخشري في تفسير هذه الآية التي نحن بصددها : وقد نهى صلّى اللّه عليه وسلّم عن صوم الصمت . فقال ابن حجر في ( الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف ) : لم أره هكذا . وأخرج عبد الرزاق من حديث جابر بلفظ « لا صمت يوم إلى الليل » « 4 » وفيه حزام بن عثمان وهو ضعيف . ولأبي داود من حديث علي مثله ، وقد تقدم في تفسير سورة « النساء » . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : فَإِمَّا تَرَيِنَّ معناه فإن ترى من البشر أحدا . فلفظه « إما » مركبة من « إن » الشرطية و « ما » المزيدة لتوكيد الشرط . والأصل ترأيين على وزن تفعلين ، تحركت الياء التي هي لام الكلمة وانفتح ما قبلها وجب قبلها ألفا فصارت ترآين ، فحذفت الهمزة ونقلت حركتها إلى الراء ؛ لأن اللغة الفصحى التي هي الأغلب في كلام العرب حذف همزة رأى في المضارع والأمر ، ونقل حركتها إلى الراء فصارت تراين ، فالتقى الساكنان فحذف الأول وهو الألف ، فصار ترين فدخلت عليه نون التوكيد الثقيلة فحذفت نون الرفع من أجلها هي ، والجازم الذي هو إن الشرطية ، لأن كل واحد منهما بانفراده

--> ( 1 ) كتاب الأيمان والنذور حديث 6704 . ( 2 ) كتاب الوصايا حديث 3873 . ( 3 ) فتح الباري ، كتاب الأيمان والنذور 11 / 590 . ( 4 ) المصنف ، كتاب الرضاع حديث 13899 ، وكتاب الأيمان والنذور حديث 15919 .